هل ارتكب نتنياهو وترامب خطأً استراتيجياً؟ كيف غيّرت الحرب سلوك إيران وأعادت تشكيل توازن القوة

في قراءةٍ تحليلية لمسار المواجهة الأخيرة، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كانت الحرب التي اندلعت بقرار سياسي – عسكري من قبل بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب قد تحوّلت من أداة ضغط على إيران إلى عاملٍ ساهم في إعادة تشكيل سلوكها الاستراتيجي وتعزيز موقعها الإقليمي.قبل اندلاع الحرب، كانت إيران تتبنى نهجاً براغماتياً نسبياً، حيث أولت مصالحها الاقتصادية وعلاقاتها الدولية أولوية واضحة، في ظل واقع داخلي معقّد. كما عانت من اختراقات أمنية واستخباراتية متكررة، إضافة إلى تأثير عقوبات ممتدة منذ عقود أدّت إلى حالة من الجمود الاقتصادي. داخلياً أيضاً، كان ملف خلافة المرشد الأعلى علي خامنئي يمثل نقطة حساسة يُخشى أن تفتح الباب أمام اضطرابات سياسية واجتماعية.غير أنّ اندلاع الحرب شكّل نقطة تحوّل مفصلية أعادت صياغة هذه المعادلة على عدة مستويات:أولاً: التحوّل من البراغماتية إلى فرض القوةلم تعد إيران تتعامل مع المشهد الدولي من منطلق المصالح التقليدية فقط، بل انتقلت إلى خطاب يرتكز على القوة والردع. هذا التحول يعكس انتقالاً من سياسة الاحتواء إلى سياسة فرض الوقائع، حيث باتت طهران تستثمر في عنصر “الهيبة” كوسيلة لتكريس نفوذها، مستفيدة من قاعدة نفسية معروفة في العلاقات الدولية مفادها أن الأطراف تميل إلى الانصياع للقوة أكثر من الاستجابة للضغوط الدبلوماسية.ثانياً: تحصين الجبهة الداخليةأفرزت الحرب حالة تعبئة شاملة داخل المجتمع الإيراني، شملت الأبعاد الأمنية والفكرية والسياسية. هذه التعبئة ساهمت في تقليص قابلية الاختراق الخارجي، وأدت إلى إعادة ضبط الداخل عبر إجراءات أكثر صرامة تجاه شبكات النفوذ أو الاختراق، ما عزّز من تماسك البنية الداخلية للدولة.ثالثاً: إعادة توظيف العقوبات والمواردبدلاً من أن تبقى العقوبات أداة خنق اقتصادي، أوجدت الحرب فرصة لإيران لإعادة توظيف موقعها الجيوسياسي، خصوصاً في ما يتعلق بممرات الطاقة مثل مضيق هرمز. هذا التحوّل منحها قدرة أكبر على التأثير في أسواق الطاقة، وبالتالي تحقيق مكاسب مالية لم تكن متاحة في ظروف “السلام البارد”.رابعاً: تسريع ملف الخلافةفي ظل ظروف الحرب، تراجعت حساسية ملف الخلافة السياسية، حيث تم التعامل معه ضمن إطار توافقي داخلي، ما ساهم في تجنّب سيناريوهات الفوضى التي كانت متوقعة سابقاً.خلاصة تحليليةتشير هذه المعطيات إلى أن الحرب، خلافاً لما كان مرجواً منها كأداة إضعاف، قد أسهمت في توحيد الداخل الإيراني وتعزيز موقعه التفاوضي والإقليمي. كما أنها أضعفت فعالية “حروب الظل” التي كانت تعتمد على أدوات غير مباشرة مثل الإعلام والاختراقات الأمنية.من هذا المنظور، يمكن القول إن الرهان على الضغط العسكري لإعادة تشكيل السلوك الإيراني قد أتى بنتائج عكسية جزئياً، إذ دفع طهران إلى تبنّي نموذج أكثر صلابة يقوم على فرض الوقائع بالقوة، بدل الانخراط في تسويات تدريجية.وعليه، يطرح المشهد الحالي إشكالية أوسع: هل كانت الحرب خطوة محسوبة بدقة، أم أنها فتحت الباب أمام إعادة توازن إقليمي يصعب احتواؤه على المدى الطويل؟


