
سُلّط الضوء على أجهزة تقنية إيرانية قيل إنها فشلت في إنقاذ قيادات حزب الله من الاغتيالات الإسرائيلية المتزايدة.
آخر هذه الاستهدافات حصل الخميس الماضي، حين قصفت طائرة إسرائيلية منزلا في بلدة خربة سلم الجميجمة في جنوب لبنان، وكان فيه قيادي في “قوة الرضوان” التابعة للحزب يدعى علي معتوق.
المعدات الإيرانية المشار إليها هي “أجهزة إرسال مشفرة”، ورغم وجودها بحوزة حزب الله، إلا أن الأخير لم يستطع وقف الخروقات التي تطاله، فإسرائيل تستفيدُ من ثغرات أمنية وتكنولوجية تمكنها من ملاحقة قادته وتاليا اغتيالهم.
فما هي قصة هذه الأجهزة الإيرانية؟ وهل من الممكن اختراق التشفير؟ وكيف كوّنت إسرائيل “كنز معلومات” عن حزب الله؟
أجهزة اتصالات عسكرية
قصة الأجهزة الإيرانية الموجودة لدى حزب الله مرتبطة بـ”تقنيات اتصالات عسكرية” عملت إيران على تطويرها داخل أراضيها.
معلومات حصلت عليها بلينكس من مصدرين مقربين من حزب الله تكشف التالي:
الأجهزة هذه تستخدم لوسائل حربية ومعنية بالاتصالات الميدانية الخاصة بالحزب
لهذه الأجهزة والمعدات “شيفرتها” الخاصة، أي لديها مصطلحات سرية مرتبطة بها
خبير لبناني في تكنولوجيا المعلومات توقف عند أمر هذه المعدات وتحدث لبلينكس مُشترطا عدم الكشف عن هويته قائلا:
إن تلك الأجهزة موجودة بحوزة كافة الجيوش حول العالم.
إيران تنقل المعدات العسكرية المعنية بالاتصال إلى وكلائها في الشرق الأوسط لاسيما حزب الله، وذلك بهدف تكوين شبكة اتصال خاصة.
أي أجهزة عسكرية لديها “شيفرة” محددة لكن عملية التحديث التي تطرأ على هذه المعدات هي الأهم باعتبار أن هناك تطورا تكنولوجيا هائلا يسمح بفك الشيفرات عبر حواسيب ضخمة.
إن لم تقم إيران وحزب الله بتعديل أنظمة التشفير الخاصة بها، عندها سيكون الخرق واردا بشكل كبير.
ما تبين هو أن إسرائيل متفوقة تكنولوجيا وما أثبت ذلك هو الحرب الأمنية التي تخوضها ضد حزب الله في لبنان.
بدوره، يقول الخبير الإستراتيجي اللبناني مصطفى أسعد لبلينكس إن ما يتبين هو أن الأجهزة الإيرانية الإتصالية الموجودة بحوزة الحزب “مخروقة” من قبل إسرائيل، مشيرا إلى أن الاغتيالات التي حصلت تؤكد انكشاف اتصالات العديد من قادة الحزب وعناصره والتي كانت تحصل عبر الأجهزة الإيرانية.
يفسر أسعد آلية عمل هذه الأجهزة، ويقول التالي:
هناك شيفرة للرسالة يعتمدها المرسل وتكون معروفة بالنسبة للطرف الآخر
حين تصل الرسالة إلى المتلقي، يبادر الأخير وعبر برامج معينة إلى فك “الشيفرة” لقراءتها
ما يتبين هو أن مضامين هذه الرسالة المشفرة باتت مكشوفة داخل حزب الله، والدليل على ذلك هو أن الاغتيالات طاولت قادة عسكريين وميدانيين من المفترض أنهم يستخدمون تلك الأجهزة لإرسال وتلقي المعلومات.
كيف يمكن اختراق التشفير الخاص بالأجهزة؟
معلومات حصلت عليها بلينكس تفيد بأنّ حزب الله لم يستطع حتى الآن تحديد نقاط الثغرات التقنية التي سمحت بتحديد تحركات معتوق الذي تمت تصفيته قبل يومين، ولا حتى القادة الذين تم اغتيالهم سابقا، موضحة أن فرقا متخصصة تعمل على تتبع الخروقات وتحديد نقاط الضعف بغية معالجتها، لكن لا جدوى حتى الآن بدليل أن الاغتيالات مستمرة.
بحسب المعلومات، فإن الحزب بات مضطرا باستمرار لإعادة صياغة رسائله المشفرة خاصة أن الخروقات كبيرة.
السؤال الأساس وسط ذلك، هو التالي: إذا كانت أجهزة الحزب مُشفرة.. فكيف يمكن اختراق تشفيرها؟ وهل تنفع عملية تحديث الرسائل؟
الإجابة على هذا السؤال يلخصها الخبير التقني والتكنولوجي اللبناني فريد خليل الذي قال لـبلينكس:
لدى إسرائيل برامج متخصصة بالتجسس تستخدمها لجمع المعلومات ضد حزب الله وعناصره وقادته، وتاليا فإن هذا الأمر قد لا ينحصر بأجهزة الاتصالات العسكرية فحسب بل يرتبط بأي جهاز آخر يمكن استخدامه ويتيح إمكانية حصول تجسس عليه.
مسألة اختراق التشفير واردة عبر ما يُعرف بـ”super computers” التي تتميز بتكنولوجيا عالية ومتطورة جدا تسمح لها بتحليل البيانات والشيفرات وفكّها بسرعة هائلة.
إن لم تكن الأجهزة والشيفرات العسكرية المستخدمة من قبل الحزب مُحدثة وقديمة، عندها فإن أمر خرقها سهل جدا.
إن عمليات تحديث الرسائل يمكن أن تفي بالغرض، لكن المسألة الأساس تتعلق بمكامن الخرق والوسيلة التي يتم إرسال الرسالة عبرها وليس بمضمون الشيفرة نفسها.
العنصر البشري يمكن أن يلعب دورا مهما في كشف مضمون “الشيفرة”، وهذا الأمر وارد حصوله في أوساط الحزب وليس مُستبعدا.
كنز معلومات عمره 14 عاما
علي عميص، وهو خبير تكنولوجيا المعلوماتية، يقول لبلينكس إن اسرائيل تمكنت من تأسيس “كنز معلومات” عن حزب الله منذ 14 عاما، وذلك من خلال برنامج “بيغاسوس” التجسسي الذي أطلقته شركة “NSO” الإسرائيلية عام 2010، وعبره يتم اختراق الهواتف العاملة بنظامي “آي أو إس” و “أندرويد”.
في سياق هذا الأمر، يوضح عميص التالي:
إسرائيل تمكنت عبر هذه البرمجية من جمع معلومات عن حزب الله وتحركات قادته وأماكن العتاد العسكري، الأمر الذي جعل استخدام الهاتف المحمول محظورا في أوساط الجماعة.
بعدما تم التأكد من دمج تقنية الذكاء الاصطناعي في برمجية بيغاسوس والتي تتيح سماع نبرة الصوت وتمييزها، تم التعميم ضمن الحزب بعدم التحدث أمام أي هاتف موجود في محيط القيادات.
لسد الثغرات ضمن أجهزة التشفير، فإن هناك حاجة لامتلاك البرنامج الأساسي وتفكيكه لمعرفة كيفية عمله.
الحل الوحيد لتجنب الخروقات هو الابتعاد عن الهواتف وعن مصادر الانترنت.
سوريا مهد الخرق
المعروف أنه لدى حزب الله شبكة أرضية خاصة به ويقوم عبرها بإجراء الاتصالات الداخلية. عملياً، فإن هذه الشبكة تكون موصولة بـ”سنترالات” على الأرجح تم اختراقها، بحسب ما كشف الخبير مصطفى أسعد عبر بلينكس.
ما قيلَ في هذا الإطار أكده أيضا مرجع عسكريّ لبناني سابق تحدث عبر بلينكس شرط عدم الكشف عن هويته، قائلا إنه قبل سنوات، تبين أن بعض سنترالات الحزب مخروقة، ولهذا السبب تم استبدالها ببعض الأجهزة الجديدة.
الخبيران أسعد وخليل يتفقان أيضا على أن سوريا كانت مساهمة إلى حد كبير في انكشاف قادة الحزب الميدانيين.
عناصره هناك.. فكيف ذلك؟
الإجابة على هذا السؤال يلخصها أسعد وخليل عبر النقاط التالية:
الأكيد أن حزب الله في سوريا لم يكن يستخدم شبكته الأرضية لإجراء الاتصالات ضمن سوريا حينما دخلها قبل أكثر من 12 عاما، والسبب وراء ذلك هو أنه ليس لديه شبكة أرضية خاصة به هناك.
من الممكن جدا أن تكون إسرائيل قد خرقت شبكة الإتصالات السورية للتجسس وبالتالي تحديد إتصالات قادة وعناصر الحزب.
من الممكن أن تكون ساحة سوريا هي المهد الأساسي للخرق، فعبرها كان ممكنا لإسرائيل جمع كافة المعلومات التي تريدها من صورٍ وبصمات صوتية وأرقام هواتف ومواقع جغرافية خاصة بقادة حزب الله.
ما يجري هنا هو أن إسرائيل ستحتفظ بهذه المعلومات لاستخدامها لاحقا ومطابقتها خلال أي معركة تريدها، وهذا الأمر تحقق حاليا.
برامج إسرائيل تعمل على مطابقة المعلومات الموجودة لديها عبر استغلال الثغرات والخروقات ضمن الحزب، وبالتالي تنفيذ الاغتيالات.