×

حين أصبح أبناء الجنوب غرباء في رواية وطنهم

حين أصبح أبناء الجنوب غرباء في رواية وطنهم

FB_IMG_1778810349660 حين أصبح أبناء الجنوب غرباء في رواية وطنهم

كتب الدكتور ابراهيم عميس :

كنتُ أقود سيارتي هذا المساء في احدى  المدن الاميركية التي اعيش فيها.  كنت أستمع إلى نشرة الأخبار على الراديو كما يفعل ملايين الناس كل يوم، عندما سمعتُ المذيع يصف ما يجري في جنوب لبنان  بعبارةٍ باردة وسريعة: “الم.يل.يش.يات الا.ي.ران.ية المتمركزة في جنوب لبنان”.

 مرت الجملة على المذيع بخفةٍ عادية، كأنها توصيف تقني لا أكثر، لكنه بالنسبة لي لم يكن مجرد خبر. شعرتُ وكأن الكلمات نفسها تحمل شيئاً من القسوة المقصودة، من بناء قصة كاذبة قد تسجل فيما بعد في التاريخ كانها حقيقة أو ربما من الجهل العميق بما تعنيه هذه الأرض لأهلها. للحظةٍ شعرتُ أن الجنوب الذي أعرفه، الناس الذين أعرفهم، القصص التي تربينا عليها، التضحيات، البيوت المهدمة، الخوف، الصمود، كل ذلك اختُزل فجأة في جملة واحدة تنزع عن الناس صفتهم الأولى: أنهم أبناء هذه الأرض.

ما أثارني لم يكن فقط التوصيف الأمي.ركي، فهذا متوقع ضمن سياق السياسة والإعلام العالمي، بل كيف وصلنا نحن في لبنان إلى لحظة أصبح فيها هذا الوصف سهلاً، طبيعياً، وعابراً إلى هذا الحد. كيف تحوّل أناسٌ يرون أنفسهم مدافعين عن أرضهم وكرامتهم إلى مجرد “امتداد خارجي” في الخطاب السياسي والإعلامي؟ وكيف ساهمت الدولة اللبنانية نفسها، بوعي أو من دون وعي، في هذا التحول الخطير؟

لأجيال طويلة، لم يكن احدا من أهل الجنوب يرون أنفسهم وكلاء لأحد. كانوا وما زالوا يعتبرون أنفسهم ببساطة أناساً  ذو كرامة وآباء، تُركوا وحدهم في مواجهة الاحتلال والحروب والخذلان. عندما كانت الدولة ضعيفة أو غائبة أو عاجزة، كان هناك من شعر أن الدفاع عن الأرض أصبح مسؤولية شخصية ووجودية. قد يختلف اللبنانيون حول السياسة، حول السلاح، حول الخيارات الإقليمية، لكن من الظلم الفكري والإنساني اختزال تجربة مجتمعٍ كامل إلى مجرد توصيف جيوسياسي بارد.

المشكلة تبدأ عندما تتبنى الدولة نفسها، ولو تدريجياً، خطاباً ينزع الشرعية الوطنية عن شريحة ضخمة من شعبها. فعندما تُوصَف جماعة كاملة بأنها خارجة عن الدولة، بينما الدولة نفسها لم تستطع أن تكون بديلاً حقيقياً يحمي الناس ويطمئنهم ويمنحهم شعوراً بالأمان والانتماء، فإن النتيجة لا تكون بناء دولة، بل صناعة اغتراب جماعي. يصبح المواطن فجأة كأنه متهم بانتمائه، مشكوكاً في وطنيته، ومطلوباً منه أن يعتذر عن الرواية التي عاش عليها عقوداً.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية. لأن كثيراً من أبناء الجنوب لا يشعرون أنهم غرباء عن لبنان، بل يشعرون أن لبنان هو الذي بدأ يتصرف تجاههم كأنهم غرباء عنه. وهذه من أخطر اللحظات التي يمكن أن تصل إليها أي دولة: حين يبدأ جزء من شعبها بالشعور أن تضحياته لم تعد تُرى كتضحيات وطنية، بل كعبء سياسي يجب التنصل منه لإرضاء الخارج أو للتكيف مع موازين القوى الجديدة.

الدول لا تتفكك فقط بسبب الحروب أو الانهيار الاقتصادي. أحياناً تتفكك عندما تفقد القدرة على احتضان روايات أبنائها المختلفة داخل إطار وطني واحد. عندما يشعر الناس أن الدولة لم تعد تعترف بكرامتهم أو بتاريخهم أو دوافعهم، يبدأ الشرخ الحقيقي. والخطر ليس فقط على من يتم استبعاده اليوم، بل على فكرة الوطن نفسها. لأن الدولة التي تعتاد على نزع الوطنية عن جزء من شعبها ستكتشف لاحقاً أن هذا المنطق يمكن أن يطال الجميع.

والمؤلم في الأمر أن كثيراً ممن يعيشون في الجنوب ما زالوا، رغم كل شيء، يرون أنفسهم لبنانيين أولاً. يحبون هذه الأرض. هم اصطحابها.  يحلمون بمستقبل أفضل لأبنائهم فيها. لكنهم يسمعون العالم يتحدث عنهم وكأنهم جسم غريب، ثم يسمعون دولتهم أحياناً تتصرف بالصمت نفسه، أو باللغة نفسها، أو بالتخلي نفسه.

لذلك لم تكن تلك العبارة في نشرة الأخبار مجرد توصيف سياسي بالنسبة لي. كانت لحظة شعرتُ فيها بمدى هشاشة الأوطان عندما تبدأ بفقدان قدرتها على رؤية أبنائها كأبناء، لا كملفات سياسية أو أعباء تفاوضية أو تصنيفات إعلامية. لأن الوطن الحقيقي لا يُقاس فقط بحدوده، بل بقدرته على أن يجعل الناس يشعرون أنهم ما زالوا ينتمون إليه… حتى عندما يختلف معهم.
د. إ ع ع

(الدكتور إبراهيم عميس هو اختصاصي لبناني بارز في جراحة الدماغ والأعصاب والعمود الفقري المعقدة)

Share and Enjoy !

Shares

لا تفوت هذا